الحزب الشيوعي والعضوية العمالية
القسم الثاني
منصورحكمت
لقد قلت في القسم السابق أن إنفصال العمال عملياً عن أحزاب اليسار الراديكالي الايراني وسيادة وجود المثقفين والطلبة والمتعلمين في هذه التنظيمات لم يكن أبداً نتاج الصدفة أو ناشئ عن السياسات غير الصحيحة في كسب الأعضاء وغير ذلك. بل إن جذوره تعود للإنفصال التاريخي والإجتماعي لليسار الراديكالي الإيراني عن الطبقة العاملة والحركة العمالية. فلم يشكل الإحتجاج العمالي البيئة الطبيعية لنشاط ووجود هذا اليسار ولا تتطابق الأهداف السياسية، التطلعات الإجتماعية وأشكال النضال لدى هذا اليسار مع الحضور الإجتماعي والحاجات السياسية للعامل بوصفه طبقة إجتماعية معينة. وفي هذا القسم أود الإشارة الى تلك الآليات التي تجسد وتعكس هذه الحقيقة الإحتماعية الواسعة على المستوى العملي وتحافظ على العامل الذي هو موضوع عمل هذه التنظيمات بعيداً عن هذه التنظيمات والعضوية فيها.
نضال إجتماعي أم نشاط تنظيمي؟
أشرت قبلاً الى أن اليسار الراديكالي الايراني قد ظهر الى الوجود مع فشل وهزيمة القوى التقليدية للمعارضة البرجوازية، الجبهة القومية وحزب توده. وقد إنتقد هذا اليسار الجديد التيارات التقليدية. وقد أكد نظرياً على الإشتراكية والماركسية كمدرسة فكرية. ومن الناحية السياسية صعّد من إنتقاده المناهض للإستبداد والقومي. وفي الممارسة السياسية، تخلى عن الأساليب المسالمة التي إتخذتها التيارات التقليدية لصالح النضال العنيف والسري. وبهذا الشكل تحول قسم من المعارضة البرجوازية في ايران الى الراديكالية. إلاّ أن تحولاً أساسياً قد طرأ في هذه الأثناء أيضاً حيث حدد هذا اليسار الجديد تمايزه وإختلافه عن التقاليد السياسية التي كوّنت مصادره الأولية. فقد كانت التيارات التقليدية تيارات إجتماعية، ليس فقط الجبهة القومية، التي كانت في الأساس إئتلافاً مكثفاً وواسعاً من القوى المختلفة للمعارضة البرجوازية، بل وحتى حزب توده أيضاً الذي كان أكثر إنتظاماً وتنظيماً من الناحية التنظيمية، كانت مركز نضال شرائح واقعية داخل المجتمع. إلاّ ان اليسار الجديد لم تكن له مثل هذه الخصيصة والطابع. فقد تبلور اليسار الايراني كمجموعة من التنظيمات والمجاميع السرية وغير القانونية التي تدفع بنضالها التنظيمي الى الأمام. هذه التنظيمات لم تكن ممثلة ومنظمة للحركات الإجتماعية. وبالنسبة لهذه التنظيمات كانت التحركات السياسية للطبقات والشرائح الإجتماعية، وفي الدرجة الأولى الحركة الطلابية وكذلك الحركة العمالية، كانت حركات خارج محيط وحدود الممارسة التنظيمية التي يسعى التنظيم لإقامة"علاقة" معها في مسار نضاله وصراعه. وبدلاً عن التقاليد الإجتماعية لحزب توده والجبهة القومية، ظهرت تنظيمات لا تعرف وتعرّف وفق مكانتها وموقعها الإجتماعى، بل بخصائصها التنظيمية. ولهذا كانت هذه الخصيصة غيرالاجتماعية وإحلال التنظيم محل القوى الطبقية والإجتماعية في الميدان السياسي أمراً حتمياً لايمكن إجتنابه أبداً. لأن هذا التقليد هو حصيلة راديكالية جزء من الناشطين السياسيين لتلك الطبقات التي لم تكن في الميدان الإجتماعي غير راديكالية فقط، بل وإنها رأت في النظام السياسي المحافظ الموجود إطاراً سياسياً مناسباً للنمو الإقتصادي بعد الإصلاحات الزراعية لعقد الأربعينات.
إن شكل ظهور هذا اليسار الجديد قد طبع الخصائص التنظيمية والممارسة السياسية لهذه التنظيمات والتيارات بطابعه. فقد شكلت إشاعة التصورات شبه الماركسية الحديثة الظهور، الدعاية والتحريض ضد الإستبداد والإمبريالية، وتنظيم الحركات بقوى الأعضاء والمؤيدين للتنظيم، الخطوط الأساسية لممارسة هذه اليسار الجديد. لقد كانت التيارات التقليدية هي المنظم للإحتجاج الإجتماعي. ولكن اليسار الجديد إنعزل عن الحركات الإجتماعية وحول الإحتجاج التنظيمي الى شكل لوجوده. ويوجد تصوران أساسيان لتبرير هذا الطابع غير الإجتماعي داخل صفوف هذا السيار. تصوران يتضمنان في نفس الوقت تحريفاً لبعض من المفاهيم الأساسية للماركسية والإشتراكية العمالية. الأول هو مقولة "تنظيم الثوار المحترفين" والثاني"علاقة" الإشتراكية بحركة الطبقة العاملة. وكان اليسار الراديكالي يرى عزلته ولا إجتماعيته حالة إنتقالية وعابرة. ويتم الإستدلال والتبرير بأن ما تم إيجاده هو تنظيم من "الثوار المحترفين". وعلاقة هذه التنظيمات بالطبقة العاملة والحركة العمالية هو أمر مرهون بالمستقبل. والمشكلة هي أن أياً من هذه المفاهيم لم يستخدم في التقاليد الماركسية بهذا الشكل. فتنظيم الثوار المحترفين الذين هو جزء مهم من نظرية الحزب اللينينة، يطلق على تنظيم يمثل حزباً إجتماعياً عمالياً بالمعنى التام للكلمة. ووجود حركة إشتراكية عمالية، ومراكز محلية للإحتجاج الإشتراكي للعامل، هي الشروط الأولية لوجود تنظيم الثوار المحترفين الشيوعي. فلا يمكن أولاً تشكيل "تنظيم الثوار المحترفين" للشيوعية العمالية في زاويةٍ ما بمعزل عن هذه التقاليد النضالية وبدون أية علاقة عملية بها وبواسطة عناصر مادية بشرية غريبة عن هذه البيئة النضالية ومن ثم التفكير بمسألة "العلاقة". وفيما يتعلق بنفس مقولة "العلاقة" كنا قد تحدثنا سابقاً عنها. فلم تكن أحاديث البلاشفة في بداية القرن حول علاقة "تنظيم" مع الجماهير، بل حول فسح المجال للإشتراكية العمالية كتقليد فكري ونضالي داخل صفوف الطبقة العاملة الروسية. ولم يتحقق هذا الأمر في نهاية القرن في كل بلد رأسمالي فحسب، بل تحولت الإشتراكية العمالية كتقليد إحتجاجي الى تيار معتبر داخل صفوف الطبقة العاملة في الكثير من البلدان ومن ضمنها ايران أيضاً. ولذلك فإن إطروحات "تنظيم الثوار المحترفين" و"العلاقة" لاتمثل لليسار الجديد سوى ستاراً للتغافل عن مكانة وحقيقة سياسية وإجتماعية خطرة. إنها حقيقة أن وجود هذه التيارات هو وجود تنظيمي وعصبوي. والممارسة السياسية لهذه التيارات قاصرة على الممارسة الدعائية والتحريض وتنظيم الحركات من قبل اعضاءها فقط. وبهذا تم إبدال النضال الإجتماعي بالنشاط التنظيمي.
المنظمة والعمال
إن التنظيم غير الإجتماعي هو في خاتمة المطاف موجود في المجتمع ويواجه الشرائح والطبقات الإجتماعية. وعلى الرغم من وجود نماذج من مثل مجاهدي خلق وبعض الفدائيين تدل على أن بإمكان التنظيم إيصال مواجهته المادية للمجتمع الى أقل درجاتها الممكنة وتحويل التنظيم الى شاشة وصورة كاريكاتيرية للمجتمع الذي يعيش فيه الأفراد في الواقع، يتبادلون الأدوار، وتوجد فيه الطبقات. ولكن على أية حال قلما توجد الآن مثل هذه النماذج المتطرفة داخل صفوف اليسار بالمعنى الخاص للكلمة. وعلى أية حال يواجه اليسار العامل بوصفه شريحة إجتماعية. وفي التقاليد اليسار غير العمالي يقف العامل بقامتين مختلفتين أمام التنظيم. الأولى بوصفه شريحة وطبقة إجتماعية والثانية بوصفه فرداً. لايرى اليسار الراديكالي العامل في قامته الإجتماعية إلا بصورة الجمع العددي للأفراد وفي نهاية المطاف بعنوان "صنف" ما. بعبارة أخرى يفتقد العامل كطبقة وكظاهرة خارج المنظمة ملامحه الإجتماعية والسياسية بالنسبة لهذا اليسار. وفيما يتعلق بقطبي معادلة المنظمة- الجماهير فإنني تحدثت بالتفصيل عن ذلك فيما سبق. فالجماهير بالنسبة للمنظمة عديمة الشكل والملامح، تفتقر للحياة السياسية والتاريخ، جامدة ومتوقفة الحركة وإن إيجاد أي شكل من أشكال الإنتظام السياسي داخلها لايكون ممكناً إلاّ من خلال حركة المنظمة. وحتى في حالته الفردية يفتقد العامل ملامحه الإجتماعية أيضاً. فهو عنصر إنساني مثل أي فرد آخر من أية طبقة إجتماعية بصدد أن يحقق معناه على أساس علاقته بالمنظمة ويحصل على أية خاصية سياسية ونضالية يكتسبها من المنظمة مثل بقية أعضاء التنظيم. وبعبارة أخرى فإن العامل سيفتقد خصائصه وملامحه الإجتماعية سواء تم النظر إليه خارج التنظيم كطبقة أو في النظر إليه كعضو و ناشط في المنظمة. إن المنظمة تبتذل الطبقة في الخارج وتهبط بها الى مستوى صنف معين وفي داخل المنظمة لاينظر الى الفرد العامل كعنصر من طبقة أو حتى صنف معين بل كوحدة تكتسب معناها ووجودها من التنظيم. وتبلور المنظمة طابعها اللإجتماعي في فكرها وفي نظرتها للعامل. فللعامل شخصيتان، العامل كفرد عليه قبول فكر وممارسة المنظمة، والإرتباط بها وتكريس إمكانياته مثل أي عضو آخر كفرد لخدمة برامج عمل وخطط وحركات المنظمة، والعامل كجزء من المجتمع، كصنف معين، عليه النضال من أجل مصالحه الصنفية.
في الواقع كلما كانت المنظمة أكثر فرقية ولا إجتماعية، كلما كان فهمها ورؤيتها للعامل أكثر صنفية ولا سياسية. وكلما كانت المنظمة أكثر فرقية وآكسيونية، كلما كانت سياسياتها العمالية أكثر نقابية وصنفية. إلاّ أن المثير للإنتباه هو الفهم والرؤية الفرقية من قبل اليسار الراديكالي للنقابة والحركة النقابية. فالعامل بالنسبة لهذا اليسار هو صنف معين وبالنتيجة فإنه يرى في النقابية ميلاً " غريزياً وعفوياً" لدى العامل لا أن يرى فيها تقليداً من التقاليد المتنوعة النضالية داخل صفوف الحركة العمالية. وهذا هو إختلاف نقابيته عن نقابية حزب توده في مرحلة ما قبل عام 1954. فقد كان حزب توده كان تقليداً حزبياً مستنداً على التيار النقابي داخل الطبقة العاملة. وقد إجتذب النقابية العمالية نحوه. وكان تأسيس النقابات جزء من ممارسة حزب توده. ولكن بالنسبة لليسار الجديد تمثل النقابية وسيلة للفت أنظار العامل كصنف معين. وليست مهمة من مهمات هذا اليسار نفسه. ومثلما يعد الفلاح بالأرض فإنه يعد العامل بالنقابة. إن تيارات تُصَّر أثناء تنامي الحركة الطلابية على أن تكون الخطوط السياسية المختلفة داخل تلك الحركة قد بنيت تمايزاتها الأيديولوجية والتنظيمية، لن تجد إزائها عملاً تقوم به إزاء العامل سوى إعلان وفائها لفكرة النقابة التي يرون فيها مثالاً للعامل كصنف معين. والمثير حقاً أيضاً هنا هو متى ما دخل العامل كطبقة الى الميدان وتبلور صراع بين الخطوط المختلفة داخل حركته وظهرت ملامح حياة سياسية داخل صفوف الطبقة، فإن خط اليسار الراديكالي يكون عرضة للتأرجح والتذبذب إزاء قضية التنظيمات الجماهيرية للعمال. فحين نشط العامل في ثورة عام 1978-1979 وحقق تقليد النضال المجالسي حضوراً داخل صفوف الطبقة وكانت له اليد الطولى، أعلن هذا اليسار تعلقه بهذا النموذج وحين فُرض التراجع على العامل عاد " المجالسيون القدماء" داخل اليسار الراديكالي الى نهج التعظيم والتبجيل اللفظي إزاء النقابة.
خلاصة الكلام هي أن العامل كطبقة خارج الحدود التنظيمية لم يكن ميداناً للنشاط المنظم من قبل اليسار الجديد. فلم يكن هذا اليسار الممثل السياسي والوسيلة الحزبية لأي إتجاه داخل صفوف الحركة الطبقية. لذا حتى حين يجتذب هذا اليسار العامل من ميدان النشاط الجماهيري والطبقي ويرتبط العامل تنظيمياً بهذا اليسار، سيخسر العامل منذ البداية مكانته الإجتماعية بوصفه فعال حركة إحتجاجية طبقية. من الممكن أن يبقى العامل لمدة معينة في نفس محيط نشاطه السابق داخل صفوف الحركة العمالية. إلاّ أن دوره سيتغير بالتدريج وبشكل حتمي. وبدلاً من ناشط الحركة النقابية، سيتحول" العامل المنظم" بالتدريج الى المراسل الخاص للتنظيم، مسؤول البث الإذاعي أو مسؤول كسب العناصر الجديدة للتنظيم.
وبهذا ينبغي التدقيق في العلاقة الفردية للعامل بالمنظمة عند إنتقاد العضوية العمالية في التنظيمات اليسارية غير العمالية لأن هذه العلاقة هي الشكل الوحيد الذي ينظم فيه تقليد اليسار اللاعمالي العامل ويربطه به أو بعبارة أخرى" يقبله عضواً".
وهنا يمكن أيضاً رؤية أول الإختلافات الجذرية بين تقاليد الشيوعية العمالية وبين اليسار الراديكالي في قضية كسب العمال كأعضاء. فبالنسبة للشيوعية العمالية والأحزاب الشيوعية للعمال، لايمثل كسب أعضاء أفراد الى الحزب سوى إختيار أفضل عناصر الصراع الطبقي والنضال العمالي لحزب هو طليعة ومنظم هذا الصراع. العضوية في الحزب تعني وجود العامل المناضل حالياً والمشغول والمنغمز في الإحتجاج العمالي في المنظمة الإشتراكية للعمال والتي لها برنامجها وأهدافها وتحويل ذلك العامل الى عنصر في حركة موحدة وواعية. ولاتشكل العضوية في الحزب نقطة شروع نضالية العامل، بل على العكس تماماً فالحزب الشيوعي العمالي هو الحزب المنظم للأشخاص الذين تخوضون الآن في صراع إجتماعي قائم ومستمر بين العامل والرأسمالي ولهم دورهم الخاص فيه.
أما بالنسبة لليسار الراديكالي الحالي فإن العضوية، وحتى عضوية العمال، لها معنى آخر. وقد قلت سابقاً وبينت كيف أن الإشتراكية الراديكالية غير العمالية لاترى صراعاً طبقياً موضوعياً وإجتماعياً خارجها، فالصراع يبدأ مع إنتماء الفرد الى المنظمة. والوظيفة التنظيمية هي ما يحدد ويعّرف الوجود السياسي للفرد. وفي هذا التقليد فإن العضوية والإرتباط بالتنظيمات هي ما يمنح الطابع الإجتماعي لروح الفرد النضالية. ويُعّرف البشر لا بهويتهم النضالية في المجتمع، مثلاً فلان ناشط مجلس ذلك المعمل، المحرض العمالي في ذلك القسم، قائد الإضراب الفلاني، أو ممثل العمال في عام كذا وغير ذلك، بل بعلاقتهم وإنتمائهم التنظيمي، كفدائي، بيكاري، راه كاركري، رزمندكاني* وغير ذلك. المنظمة هي من يحدد بيئة ومحيط النشاط السياسي وعن طريق القرارات وتقسيم العمل التنظيمي تمنح طابعاً إجتماعياً لنشاط العضو. ففي تقاليد اليسار الراديكالي غير العمالي فإن المنظمة هي مجرى صراع الإجتماعي بالنسبة للفرد. أما بالنسبة للشيوعية العمالية، فإن الحزب هو منظم وقائد صراع إجتماعي يجري في قلب المجتمع، صراع صراع العامل المستمر والمتواصل ضد الرأسمالية والرأسمال.
إن هذا الإختلاف يعلن عن نفسه بوضوح في سياسات وطرق إختيار الأعضاء لدى هذين التقليدين. فالشيوعية العمالية هي إتجاه في قلب تيار صراع وإحتجاج طبقي ولذا تجتذب أفضل عناصر هذا الصراع وأكثرها نشاطاً وإعتباراً. وفي الطرف المقابل فإن المنظمة اليسارية اللاعمالية، وبمعزل عن طولها وعرضها، هي الفرقة وهي نقطة الشروع النضال بالنسبة للفرد. ولذلك تختار عناصر تتناسب مع خصائصها الداخلية الذاتية. بالنسبة للشيوعية العمالية،العضو الجديد هو إنسان ومناضل إجتماعي ومنغمز الآن في خضم الصراع. أما بالنسبة لليسار اللاعمالي فإن العضو الجديد هو إنسان مجرد وفاقد لتاريخه وله خواص فردية يمكن للمنظمة الإستفادة منها. وهو عنصر يمارس نشاطه الجماعي الآن بسبب إنضمامه للمنظمة وبإضافته للعناصر المشابهة له للمرة الأولى. ومن غير شك تنظر الشيوعية العمالية الى الحركة الإجتماعية التي تنتمي لها وتسعى لكسب ناشطي تلك الحركة نحوها، في حين أن اليسار الراديكالي اللاعمالي ينظر الى المجتمع بشكل عام ومجموعة العناصر الإنسانية الموجودة في المجتمع ويتعقب الأفراد المستعدين لقبول فكر المنظمة، وقوالبها النضالية والوظائف التي تعرّفها. وعلى أية حال فإن كل تنظيم وكل تقليد يختار عضوه وناشطه. والأختلاف هو هنا في أن جزءاً مهماً من هذا الإختيار يجري بالنسبة للشيوعية العمالية والحزب الشيوعي للعمال في قلب النضال العمالي الآن. فالعضوية بالنسبة لهذا التقليد هي إتحاد مناضل آخر من أجل قضية العمال في الحزب السياسي للطبقة من أجل إنجاز خطة مشتركة ودفعها للأمام. أما بالنسبة لليسار اللاعمالي فإن كل هذا الإختيار يتم من قبل المنظمة ووفق معاييرها وعضوية الفرد تعني هنا دخوله في الميدان العملي والآكسيوني الذي تقصده المنظمة.
النسيج اللاعمالي: المبررات والوقائع
لقد تبين حتى الآن في بحث العضوية العمالية واليسار الراديكالي ضرورة إقصاء مسألة العلاقة الإجتماعية للمنظمة بالطبقة العاملة وإنتظار إستناد المنظمة على الإتجاه النضالي داخل صفوف الطبقة نفسها والبحث في مسألة علاقة الفرد العامل بالمنظمة. وحين نصل الى بحث العضوية العمالية والحزب الشيوعي، علينا أساساً التطرق لهذه العلاقة الإجتماعية. ولكن وبقدر تعلق الأمر باليسار الراديكالي، فإن المسألة تدور حول كيفية عضوية الآحاد من العمال في هذه المنظمات وبعبارة أخرى النسيج الطبقي لنفس المنظمة.
إن لاعمالية نسيج منظمات اليسار الراديكالي ليست شيئاً تم إلباسها إيّاه. فهذه الحقيقة، أو بعبارة أخرى هذا التناقض الواضح بين العلاقة التي تقيمها المنظمة مع البروليتاريا على الورق والإنفصال العملي لها عن العامل في عالم الواقع، تم إيجاد المبررات المختلفة له بمختلف الأشكال في المنظومة الفكرية لمختلف إتجاهات اليسار الراديكالي. وإذا حللنا هذه المبررات التي تم التنظير لها علناً في التقاليد اليسارية من مثل خط النضال المسلح، اليسار الليبرالي، التروتسكية وغير ذلك، فإننا نجد لها مجموعة من المكونات الأساسية. أولها هو قضية كبت الحريات والقمع السياسي. وعلى العموم يقال أن القمع السياسي هو العقبة أمام الإتصال الواسع للمنظمة مع العمال، فالعمل مع منظمة شيوعية هو أمر خطير ومغامر، ويستلزم توجه العمال نحو المنظمة الإشتراكية وجود قدر من الديمقراطية والأجواء الديمقراطية في المجتمع وغير ذلك. وهنا ينبغي التساؤل لماذا لايؤثر نفس هذا الكبت والقمع على المثقفين؟ لماذا لم يشكل هذا الكبت والقمع عقبة أمام تشكيل عشرات المنظمات المسماة بالشيوعية المؤلفة من الطلبة والمتعلمين؟ ولماذا عجز العمال بكميات أكثر بمئات المرات من نظرائهم عن مجارات مثقفي الطبقات اللاعمالية في أن يكونوا أشخاص" مخاطرين" ويصلحون لهذه المنظمات؟. الذريعة الأخرى هي مسألة دور النظرية والوعي في النضال الشيوعي. يقال أن الصفة الشيوعية والعضوية في المنظمة الشيوعية تتطلب مستوى عالي من الوعي السياسي والفهم للنظرية الإشتراكية ويبدو أن المثقفين هم في مكانة أكثر مناسبة للحصول هذه المستلزمات وحيازة هذه الخصيصة. ويطرح هنا أيضاً السؤال التالي: أليس للوعي علاقة بالوجود الإجتماعي للفرد؟ كيف يعجز ملايين البشر الذين يتموضعون في مكانة إجتماعية من المقرر أن تكون النظرية الإشتراكية لسان حالهم وراية إحتجاجهم بسببها عن إنتاج أولئك الناس ذوي الوعي السياسي لملأ الفراغ الذي تملأه نفس المنظمات الإشتراكية الموجودة؟! كيف يقبل أشخاص ما النظرية الإشتراكية ومكانة أولئك الأشخاص الموضوعية ووجودهم الإجتماعي لايستلزمان قبولها من قبلهم في حين أن الملايين من الناس الذين بحاجة لهذه النظرية وهي نظريتهم بسبب مكانتهم الموضوعية يعجزون عن فهمها وقبولها على صعيد واسع؟! والذريعة والمبرر الثالث هو وجود إتجاهات غير إشتراكية سائدة على العمال. ويبدو أن منظمة اليسار الراديكالي إنعزلت عن العمال بالضبط بسبب راديكاليتها! وهي تعاني من وقوع العمال تحت تأثير النقابية أو الأحزاب الإصلاحية، وتآثرهم بالدين وغير ذلك. وهنا ينبغي التساؤل أيضاً ما هي المميزات الخاصة التي ميزت مثقفي الطبقات المالكة للخلاص من نفوذ الأفكار والقيم والآراء السائدة في المجتمع والتي هي تتناسب مع مكانتهم الموضوعية ومصالحهم المادية كأفراد معينين وفي نفس الوقت ما هو النقص الولادي الذي يعاني منه العمال بحيث يصعب فصلهم عن هذه الميول والأفكار؟
وقبل أن تكون هذه الحجج والمبررات، التي يرى كل طرف وتيار في تقاليد اليسار الراديكالي تطابقها مع حالته أو تطابق بعض منها، أسباباً توضح علل إبتعاد العمال عن اليسار الراديكالي، هي دلائل أخرى على الرؤية اللاعمالية لهذه التيارات وتصورها عن الصراع الطبقي والسياسي وحتى عن النظرية الإشتراكية. في نفس الوقت هي لاتمنحنا ولا حتى ذرة بسيطة من الفهم الصحيح عن مسألة العلاقة، أو في الواقع قطيعة وعزلة اليسار الراديكالي عن العمال. والحقيقة هي أن لمنظمات اليسار الراديكالي الحالي خصائص نظرية خاصة وأسلوب وشكل للوجود والنشاط التنظيمي والسياسي الخاص بحيث لاتقدم أية أمكانية أمام العامل للإستفادة منها كوسيلة للنضال الوحدة والإتحاد.
معايير وآليات الرفض والقبول
يدل النيسج اللاعمالي لليسار الراديكالي على أن العامل حتى كفرد لايشكل عنصراً ومادة بشرية مناسبة لبناء تشكيله وهيكل منظمات هذا التقليد. وتعمل آليات ومعايير رفض وقبول الأفراد بضرر العامل وبصالح المتعلمين الشباب من أبناء الطبقات المرفهة وشبه المرفهة في المجتمع. فما هي هذه الآليات؟
لنتذكر الشروط الكلاسيكية لكسب الأعضاء في الأحزاب الشيوعية: قبول الرنامج، قبول النظام الداخلي، والعمل في إحدى الوحدات التنظيمية. هذه الشروط هي مبدأية وصحيحة تماماً. ولكن هذه الشروط لاتبيّن فقط علاقة حقوقية صرفة بين الفرد والمنظمة، بل تبيّن وتعكس علاقة واقعية وإجتماعية. وهذه الشروط هي التعبير المكثف عن حقيقة أن على الفرد قبول الأهداف والتطلعات الخاصة بالمنظمة، وتأييد أسلوب النشاط والحياة السياسية للمنظمة في المجتمع والمعايير والعلاقات الداخلية للمنظمة والتطابق والإنسجام معها وأخيراً إنجاز وتحقيق الوظائف المحددة التي يقررها برنامج وخطة نشاط المنظمة. بعبارة أخرى على الفرد أن يكون وتنظيمه من نوع واحد من الناحية السياسية والعملية. ولكن اليسار الراديكالي الايراني كان يفتقد أساساً للبرنامج أو النظام الداخلي المدوّن. وهذا ما يتم السعي الآن لإيجاده بين صفوف بقايا هذه التيارات. ولكن على أية حال وحتى في حالة عدم وجود البرنامج والنظام الداخلي المكتوب يمتلك اليسار الراديكالي آلياته الخاصة في معرفة العناصر التي يراها مناسبة له من النواحي الفكرية والعملية. آليات أخرى بعضها إرادي وواعي والبعض الآخر عفوي وإجتماعي، تضع نفس الشروط الأصلية أمام الأفراد. ولكن ما علينا تشخيصه هو كيف تغربل هذه الآليات الأفراد من النواحي الفكرية والعملية وكيف تعقد بشكل خاص توجه العمال نحو هذه التنظيمات وتجعله أمراً صعباً وغير ممكن.
إن كل تقليد سياسي يطرح شاء أم أبى تصوره عن مميزات وملامح المناضل النموذجي. فأهداف منظمةٍ سياسية، إسلوبها النضالي، أخلاقها، لغتها ومشاغلها وغير ذلك تطرح تصوراً وصورة عامة عن المنظمة والناس الذين بإمكانهم أن يجدوا مكانهم فيها. وصياغة الشخصية من قبل تقليد لأبطاله، والملامح الفردية والسياسية للعضو النموذجي يطرحها كل تقليد بشكل نموذج وقالب محدد ويضعها أمام المجتمع. ولهذا فإن مسألة عضوية الفرد في المنظمة لاتبدأ من السؤال كيف يستطيع مجموعة من البشر بسبب مكانتهم الإجتماعية قبول تلك الإهداف والأساليب والتميّز بملامح ومميزات العضو النموذجي. فعلى السبيل المثال كانت التقاليد الفدائية قبل الثورة( ثورة عام 1978- 1979 الايرانية- المترجم) تحبذ نوعاً معيناً من الناس. وكذلك التقليد الماوي، التقليد الإشتراكي الديمقراطي، التقليد التروتسكي وغيرها، كل واحد منها كان له نموذجه عن الناشط النموذجي. وحين ندقق في ملامح هذه النماذج السياسية، سنرى بالتدريج تشابهها مع عناصر طبقات وشرائح إجتماعية معينة هي التي أنتجت هذه التنظيمات. وسنرى خلف الصورة الإسطورية والمثالية للبطل النموذج، سنرى البشر الواقعيين المتموضعين الآن في موقع إجتماعي وإنتاجي واقعي. خلف عنصر الفدائي، بنكرانه لذاته، بنفاذ صبره السياسي، بكرههه ونفوره من الإستبداد، بعدم ثقته بقوى الطبقات الإجتماعية، وبالرسالة المكلف عوض ذلك بتحقيقها كبطل، وغير ذلك، نرى خلفه ملامح الطلبة الفنيين والصناعيين الذين يتخلون ببطولة عن مستقبلهم المضمون من أجل خدمة الشعب. وكان العنصر الفدائي في مرحلة الشاه رمزاً لتنامي الضمير الإصلاحي بين أوساط الشباب المتعلمين وتطلعات البرجوازية المستقبلية. وخلف نهضة الحرية ومجاهدي خلق يكمن جيلان من إحتجاج السوق، بكل محليتهما، تخلفهما الأخلاقي وإبتعادهما عن الحداثة والتمدن اللذين وجدا مكانهما في هذه المؤسسة التقليدية في المجتمع. وخلف التروتسكية واليسار الليبرالي الايراني، يمكن بسهولة تامة رؤية ملامح المثقف المطلع على الثقافة الأوروبية الغربية والخجل من عالمه الثالث.
إن التقاليد السياسية التي تنامت داخل شرائح المجتمع الايراني هذه، وشكلت جميعها اليسار الراديكالي المعاصر، لها حدودها الفاصلة من غير شك مع الطبقات والشرائح الإجتماعية التي إنبثقت منها ومع الحياة الروتينية لها.الاّ أنها في خاتمة المطاف لم يكن أمامها سوى إتخاذ اساليب تتناسب مع نضال تلك الشرائح، أساليب مستلهمة من الآفاق اإجتماعية والإمكانات المادية لتلك الشرائح. وكان من المحتوم تناسب الحياة السياسية والأساليب النضالية لهذه التيارات مع الوجود الإجتماعي لتلك الشريحة التي تناست في خظمها.
وتطرح هذه الصورة المسبقة عن "الإنسان المناسب" لكل تقليد نضالي بأشكال مختلفة أمام المجتمع وستشكل بوعي أو عفوياً آليات الرفض والقبول لدى المنظمة في علاقتها مع الأفراد. فبهذه الآليات تجتذب المنظمة العناصر المناسبة لها وتقبلها وترفض العناصر الي لا تراها مناسبة. وفي الكثير من الحالات يكون نموذج المنظمة عن العضو المناسب معروفاً لدى المجتمع لدرجة أنه يتحول الى عقبة منذ البداية أمام حتى الإقتراب صدفة للأفراد غير المناسبين من المنظمة. وأنا على ثقة تامة أن لا عامل ايراني ولا حتى عاملاً واحداً كانت لديه الرغبة خلال السنوات الخمس الماضية في الإتصال بتيار" النضال المسلح إستراجية وتاكتيك" أو تيار"سربداران". وحتى داخل المنظمة، فإن نفس هذه الآليات، ستعمل على غربلة البشر والعناصر المتطابقة مع التقاليد النضالية ونماذج نشاط وفعالية المنظمة. مما يؤدي الى أن يعاد إنتاج المنظمة كجزء من تقليد نضالي لشريحة وطبقة إجتماعية معينة بإستمرار. فالأساليب النضالية والحياة السياسية للمنظمات والأحزاب السياسية هي التي تبين عملياً أي نموذج من الناشطين السياسيين يتناسب معها، ومن ثم ناشطي أية طبقة إجتماعية عليهم أن يحتلوا مكانتهم فيها. وإذا دققنا النظر في مفردات الحياة والنشاط السياسي لليسارالراديكالي الايراني المختلفة، سنرى بوضوح تام تلك الآليات العملية التي تعمل بعيداً عنه. وسنرى كيف أن العامل لايمثل المادة الطبيعية والمناسبة للإستفادة منها في البناء والهيكل التنظيمي لهذه التيارات.
المعيار الأيديولوجي: مسألة النظرية وقبول البرنامج
ينبغي بتصوري البحث عن أول العقبات أمام إقتراب العمال من منظمات اليسار الراديكالي هنا. فكلا الأفكار النظرية لهذه التيارات ومكانة النظرية لديها، تجعل العامل بعيداً عنها. النظرية بالنسبة لهذه التيارات من الناحية الجوهرية، هي كما قلت، التبرير النظري للأهداف الإجتماعية والنضال السياسي التي هي في حّد ذاتها ذات مضمون ومحتوى غير عمالي. وهذا يجعل بالدرجة الأولى من محتوى ومضمون النظرية لدى هذه التيارات أمراً غامضاً وعصياً على الفهم بالنسبة للعامل. فالبيان الشيوعي، نظرية ماركس حول جذور الإستغلال في المجتمع الرأسمالي، نظرية الحزب العمالي، نظرية الأممية العمالية، النظرية الماركسية عن الدولة وما شابه ذلك هي كلها بالطبع مفهومة وواضحة بالنسبة للعامل، ولاتحتاج النصوص الكلاسيكية الماركسية للتبسيط من أجل نشرها داخل الحلقات العمالية. فوجود ترجمة واضحة لها أمر كافي. أما تقسيم البرجوازية الى صالحة وصالحة، فهم نظرية تصنيف البرجوازية الصغيرة الى أجنحة مختلفة، فهم خصائص الرأسمالية غير التابعة، فهم التضاد بين السافاك والشرطة المحلية، فهم ثورة في ستة مراحل بمساعدة كتاب"في التناقض" لماوتسي تونغ، وبإختصار فهم كل هذه الخزعبلات التي ترسلها مراكز الفكر البرجوازي وآلة الفكر البرجوازية الصغيرة الى سوق العقائد بإسم الماركسية، يحتاج الى الفكر المخترق للألغاز والغموض والغافل عن العالم لمثقفي البرجوازية والبرجوازية الصغيرة. وإقناع العامل بأن يحمل روحه على راحته في سبيل تلك الخزعبلات هو من غير شك أمر شاق وعسير جداً. إن اليسار الراديكالي يواجه حقيقة أنه حتى لو عبر عن هذه الأهداف بلغة الأطفال، وحتى لو شرح النظرية بلغة العامة من الناس، ما يزال العامل لايفهمه. فالقضية تدور حول الطابع اللاعمالي لهذه النظرية وعدم تطابقها وإنسجامها مع قضية العمال. وإرتقاء الوعي السياسي للعامل سيكون مبعث إبتعاده عن هذه النظريات وعن المنظمات التي تستند عليها. إن اليسار الراديكالي وحسب تعريفه يعجز عن جذب العامل الواعي والمدرك للمصالح الطبقية،لأنه لايستند الى نفس الوعي الطبقي . وبمعزل عن مضمون النظرية ومحتواها، فإن إسلوب تعامل اليسار الراديكالي مع النظرية، ومكانة النظرية بالنسبة لمثل هذا التيار، تساهم هي أيضاً لتشكل عقبة أخرى أمام العمال. فقد تشكلت منظمات اليسار الراديكالي عموماً على أساس"الأيديولوجيات" وبالطبع تشكل "النظرية" و"الأيديولوجيا" أهم معايير الإنضمام إليها. وتشكل الأيديولوجيا والإيمان بالإشتراكية دليلاً ومعياراً مهماً أيضاً في كل منظمة شيوعية عمالية. إلاّ أن القضية تدور حول التصور الموجود لدى تقليد اليسار اللاعمالي عن النظرية والأيديولوجيا وعلاقة هذه الأيديولوجيا بالفرد والناشط التنظيمي. فالأحزاب اليسارية الراديكالية نمت وكبرت خارج التقاليد العمالية ومن ثم فإن ظهورها كان بالدرجة الأولى حصيلة النفي النظري للفكر والمعتقدات الرسمية للمعارضة البرجوازية. وقد كان الكثير من هذه التيارات حصيلة الإنشقاق عن الليبرالية، القومية، الحركة الإصلاحية وحتى المعارضة الدينية. وتشكلت هذه التيارات منذ البداية من عناصر إضطرت لنفي مكانتها الموضوعية الإجتماعية كجزء من الطبقات المالكة من أجل الراديكالية وما يسمى بالماركسية، أياً كان تصورها عنها، وبمساعدة أفكارها ومعتقداتها ورؤاها. لقد إضطرت تلك العناصر البشرية نفي مكانتها الإجتماعية وتعريف ذاتها وفق ايديولوجيتها وعقائدها. إضطرت إستخلاص قيمتها كبشر وكعناصر مناضلة في المجتمع، في مواجهة الطبقات التي إنحدرت منها، وبناءاً على أفكارها وأيدولوجيتها الراديكالية. وقد إستأصلت تلك العناصر نفسها من مكانتها الإنتاجية والطبقية لتصبح "يسارية". ولذلك وضعت الأيديولوجيا والفكر معياراً أساسياً في تقليدها التنظيمي الذي أوجدته، لأن هذا هو المعيار الوحيد الذي يبين إنفصالها عن طبقتها. ولذا تضع ذلك على اللوحة التنظيمية التي تقوم بتشكيلها. وأي شخص يتبلور لديه خلاف مع الآخر في الأيديولوجيا والنظرية، سيكون مرتداً الى طبقته التي أولاها ظهره سابقاً حسب ما سيزعمه الطرف الآخر. وسيكون الإختلاف النظري كافياً للتحول الى البرجوازية، لأن النظرية وفق في هذا التصور نفسه هي دليل وعلاقة إنفصال هذه العناصر عن طبقتها. ومن هذا المنظار لاتشكل النظرية بالنسبة لهذه التيارات وسيلة لفهم المجتمع والعالم الخارجي ورسم ملامح النضال الإشتراكي، ولاتشكل نقداً معيناً، بل تشكل معياراً ومحكاً مذهبياً لتحديد الذات والآخر الغريب.
وبهذا الشكل تجمدت النظرية وتحولت الى معيار لمعرفة الإنتماء الطبقي، وهذا حتّم غموضها أيضاً. لأنها: أولاً: يجب أن تكون بشكل أحكام يمكن القسم بها وثانياً: يجب أن تكون هذه الأحكام دقيقة وواضحة وعلمت تفاصيلها وجزئياتها بحيث تحدد الفرق والإختلاف مع الآخرين. وهنا تتحول النظرية الى أحكام للرفض والقبول، وصياغات تكون كل كلمة فيها حاسمة وقاطعة لأنها تبين الحدود الفاصلة بين هذه الفرقة وبين الآخرين. صياغات مقدسة إما أن يكون الإنسان مؤمناً بها أو لا. فإذا كان مؤمناً بها فهو عضو في الفرقة وإن لم يكن مؤمناً فإنه ليس بعضو.
وتشكل هذه معضلة وحالة موضوعية. فالحقيقة هي أن المثقف البرجوازي إشتراكياً كان أو غير إشتراكي يمثل من الناحية الإجتماعية آفاقاً ومصالح طبقية متضادة ومتناقضة تماماً. والمعيار النظري وإن لم يكن له فهم مذهبي، هو معيار حتمي لأرتباط المثقفين بالمنظمة الماركسية. ولكن المعضلة تكمن هنا في أن اليسار الراديكالي يعّرف ويحدد هذا المعيار بتعميم مكانة المثقف المحتج من أبناء الطبقات الحاكمة، ويفرغه في الواقع من أي معنى ومن أية قيمة ويستخدمه بنفس الشكل في حالة العمال. وسيصبح إرتباط العامل بمنظمتهم الشيوعية مرهوناً بإجتياز إختبار نظري هزيل وصعب تضعه المنظمة للقادمين الجدد وفق تاريخ إنقطاعها الأيديولوجي عن البرجوازية. المعضلة تكمن هنا في أن هذه المنظمات بهذا الفكر وبإسلوب التشخيص هذا للفصل بين الذات والآخر الغريب، ستواجه الطبقة العاملة التي ليست بحاجة لنفي إنتمائها الطبقي ومكانتها الموضوعية في الإنتاج كي تكون ثورية وإشتراكية. وفي الواقع هي لاتستطيع نفي ذلك. بل إن المسألة هي بالعكس تماماً، وبالضبط هي وبسبب مكانتها وتموضعها في هذه الموضوعية تنجذب نحو الإشتراكية كفكر وهدف و تستخدم النظرية في خدمة نضالها. فالعامل ليس بحاجة لنقد فلسفي عميق ليتأمل ذاته كفرد ويصفي حسابه معها ومع إنتماءه الإجتماعي ليصبح إشتراكياً ويتموضع في خندق النضال ضد الرأسمالية. فالتموضع في هذا النضال والصراع هو المكانة الأولية والبديهية والمعطاة لكل عامل في هذا المجتمع. إنه ليس ببرجوازي. ولا تربطه صلة بالملكية وفائض القيمة. فهو بإمكانه أن يبقى في مكانه في المجتمع الإشتراكي ويناضل بوصفه إشتراكياً. وليس للنظرية الماركسية مثل هذا الطابع الكلائشي ومثل هذه الخصيصة المذهبية والصوفية بالنسبة للعامل وتحويل هذه النظرية الى مثل هذه الظاهرة لن تكون له أية نتيجة سوى إبعادها عن متناول العامل ومن ثم إبقاء العامل بعيداً عن مثل هذه المنظمة.
وحين يتحدث اليسار الراديكالي عن قبول البرنامج أو الأيديولوجيا والأهداف كشرط للعضوية، فإنه يشير في الواقع الى قبول منظومة فكرية غامضة ومعقدة، ومجموعة من الكلمات القصار والكلائش العصبوية والتنظيمية وإمكانية تكرارها وإعادتها من قبل الفرد. فإذا كان هناك برنامج، فإنه سيكون على الأغلب نفس الكلمات والصياغات الكليشية. وستعبر كل كلمة في البرنامج الذي من المقرر أن يكون موجزاً وبعيداً عن التكرار، ستعبر عن عالم من الحدود الفكرية الفاصلة عن بقية الإتجاهات والميول في كل تاريخ اليسار. وإذا لم يكن هناك برنامج، ستشكل مقالات الصحف، والمناظرات وغير ذلك الشواخص اليديولوجية لإختبار الرؤية والتصورات النظرية للفرد. وسأعود لاحقاً في بحث سياسة الحزب الشيوعي في كسب الأعضاء الى معيار" قبول البرنامج". إلاّ أن عليّ الإضافة هنا أن معيار النظرية والفكر يعمل بشكل متشابه في كل تقاليد اليسار الراديكالي الايراني وتياراته. فقد شكل عدم الإهتمام بالنظرية واحدة من خصائص ومميزات اليسار الراديكالي الايراني البارزة. ولكن هذا لايعني غياب المعيار النظري في قضية كسب الأعضاء. بل على العكس، فعدم كتابة فكر المنظمة، عدم وجود البرنامج وغير ذلك، حلّ محلّها نوع من "الإجتهاد" الفردي للأفراد والكوادر القديمة وذات الصلاحيات المطلقة وعملية معقدة من الإختبار للعقائد الفردية. فالمنظمة التي تفتقد للنظرية تختبر أيضاً الفرد من الناحية الأيديولوجية. والأختلاف هنا في تحول هذا الإختبار في هذه الحالات الى عملية لأسوأ المحاكمات الذهنية، العصبوية، الأخلاقية والمتخلفة للأفراد. ويعلن في هذه المحاكمات الطابع المثقف البرجوازي الصغير لليسار الراديكالي الحالي وإغترابه عن النضال العمالي وقضية كسب العمال الى المنظمة، يعلن عن نفسه بأكثر الأشكال وضوحاً.
إسلوب العمل والحياة السياسية لليسار الراديكالي
يطرح الى جانب المعيار الأيديولوجي، معيار إسلوب العمل وطريقة الحياة السياسية للمنظمة. فكلما كانت التشكيلات متخلفة من الناحية النظرية، كلما تجسدت أكثر المعايير والإختبارات العملية لقبول الأعضاء. وعلى الفرد بأية حال أن يقدم "إمتحانه" للمنظمة. وهذا الإمتحان هو إختبار للوفاء، والإنضباط والإمكانية العملية لإستيعاب القوالب النضالية التي تتشكل على أساسها المنظمة. ولكن ماهي هذه القوالب والأطر؟ ومن الأفضل ان نتأمل مجدداً الملامح الإجتماعية للعضو النموذجي. كما قلت فإن المنظمة اليسارية الراديكالية الايرانية المؤلفة من المثقف البرجوازي والبرجوازي الصغير المحتج، قائمة على أساس تنصل الفرد وتخيله عم مكانته الإجتماعية والإنتاجية. وقلت أن هذا شرط من شروط إشتراكية البرجوازي وتحويله الى مناضل إشتراكي وراديكالي وليس العامل. والمنظمة لها علاقة بالآحاد المنفردة من الأشخاص وليس بالشرائح والطبقات. وما جعل ويجعل فرداً ما عضواً صالحاً لهذه المنظمة، قابليته على " النفي" و التخلي عن الأشياء المختلفة، من مثل مطالبه الإجتماعية السابقة، أخلاقه السابقة، رفاهه، عائلته وعلاقاته الشخصية، إلتزاماته المادية. ولايمكن لإسلوب نضال المنظمة أن يتخذ ويطبق إلاّ من قبل مثل هؤلاء الأفراد. وحين نتأمل هذه الإنتماءات والعلاقات نجد أن الفرد البرجوازي في مكانة أكثر مناسبة للتخلي والتنصل عنها، لأنه حتى يتخلى عنها سيتحول الى المثقف المتمرد والساخط لنفس الطبقة، ولن ينحدر ويهبط الى سلّم إجتماعي أوطئ. فتمرد البرجوازي على قيم ومناهج طبقته وعلاقاته الفردية وإنتماءاته لن يحول الى إنسان مضطهد وذو مرتبة دنيا في المجتمع. ومثل هذا الفرد لا كرامته الإجتماعية وحرمته ستسقط ولا يداهم الخطر حتى أمنه الإقتصادي بشكل جدي. وحتى من الممكن أن تحسب هذه للمثقف البرجوازي كحساسية زائدة والرغبة في الإنتقاد، وقابلية الإحترام، ومن المحتمل أيضاً أن تُعد جزءاً من مغامراته الشبابية الماضية. وستظل أحضان البرجوازية مفتوحة دائماً لإحتضان الشبيبة المتمردة والمغامرة في الأمس. ومهما تمرد المثقف البرجوازي وخرج عن قيم وأخلاق طبقته، لن ينحدر ويسقط الى المكانة الإقتصادية غير الآمنة والعديمة الأفق لعامل معين. فالمجتمع يرى في كل الأحوال في الرفاه المادي والأمن الإجتماعي حقاً من حقوقه. وقد تبلورت منظمات اليسار الراديكالي تقليداً في التمحور حول هذا الكائن الإجتماعي واكتسبت قواها من هذه الفئة الإجتماعية، من هذا الكائن الموجود في المجتمع والقادر على لفظ كل خصائصه ومكانته والإجتماعية والتحول الى إنسان مجرد من كل القيود الموضوعية الإجتماعية. وفي عالم الواقع ينبغي الحصول على هذا الكائن من يبئة الدراسة والمحيط الطلابي. فالطالب، وذلك القسم الذي ليس من المفترض به إنهاء تعليمه لإنقاذ أبيه وأمه من العمل الإضافي وغير ذلك أو لدفع أجور تعليم أخته وأخيه الأصغر، هو المادة والعنصر الأفضل لمثل هذا التقليد السياسي. مثل هذه التنظيمات ليست مكاناً للعامل. فالعامل يعجز في الواقع عن أخذ مكانه في هذه التقاليد السياسية وهذا الإسلوب من الحياة من دون أن ينفي مكانته كعامل. ولكن الموضوع لاينتهي عند هذا الحد. لأنها تتأسس على أساس الشخصية والمميزات الإجتماعية، منظومة القيم والأخلاق الفردية والعدمية(النهليستية) في نفس الوقت، التي تتناقض تماماً مع الحياة والكرامة الإنسانية. فالعامل هو المدافع عن الحياة. والنضال العمالي هو نضال من أجل تحقيق رفاه البشر وتمتع الإنسان بالمنجزات والمواهب الطبيعية والإجتماعية. ولكن خلف الأخلاق المقيدة والمتخلفة لليسار الراديكالي اللاعمالي الايراني، يمكن رؤية النقد البرجوازي الصغير المتخلف والخوف من الصناعة والتمدن لدى بلد متخلف بوضوح تام. إن العامل كقوة إجتماعية لاتربطه أية علاقة بمثل هذه الرؤية والأخلاق. فقد كانت اللامبالات السياسية والفردية والتطلع للشهادة والإستهانة بالعلاقات والمودة الإنسانية ونفيها والإخلاق شبه الدينية، فقط نماذجاً ملموسة لهذا الأسلوب من الحياة السياسية اللاعمالية. إلاّ أن إختراق هذه العصبيات البرجوازية الصغيرة للحياة السياسية لليسار اللاعمالي وترسخها فيها ليست قاصرة على هذه فقط بل إنها تطفوا على السطح من أي منفذ داخل هذا التقليد السياسي. وفي الواقع فإن تناقض النضال السياسي الراديكالي مع الحياة البرجوازية الموجودة لدى تقاليد اليسار الراديكالي السياسية وتياراته، والتي تبلورت وأنبثقت من هذه البرجوازية وبنفيها لحياتها، يعمم كتناقض مع الحياة بشكل تام وكلياً.
العلاقات الداخلية
على أية حال فإن إسم الشيوعية والإشتراكية هو على قدرٍ من الإعتبار لدى العامل بحيث أن العديد من العمال وعلى الرغم من هذه العقبات يصلون بأنفسهم ويتوزعون داخل منظمات اليسار الراديكالي. ولكن هنا أيضاً يعلن تناقض البيئة مع العامل والهوية العمالية عن نفسه. فالعامل داخل هذه التنظيمات آلي وغير إجتماعي. فقد سلبت منه كافة المميزات والخصوصيات التي تجعل منه مناضلاً مقتدراً ضد الرأسمالية. فهو الآن ليس بقائد ذلك الجزء من نشاط العمال، وليس المحرض الجماهيري. والمنظمة لم تكن تريده بهذه المميزات والإمكانات والخصائص ولم تستطيع الإستفادة منه بهذا الشكل. ولهذا يكتسب العمال الذين يصلون بهذا الشكل الى منظمة اليسار الراديكالي اللاعمالي طابعاً إستعراضياً بسرعة كبيرة جداً. فإذا أُعتبر غموض النظرية وقابلية الدعاية لها وتكرارها معياراً، إذا أُعتبر الإجتثاث والسلخ من المكانة الإجتماعية والإلتزامات الإجتماعية والتحول الى إنسان مجرد معياراً، أي تلك القوالب والأطر التي بإمكان المثقف الشاب المجرد والفارغ البال البرجوازي والبرجوازي الصغير أن يتقولب بها بسهولة أكبر، حينذاك سيبقى العامل في نفس التنظيمات عضواً من الدرجة الثانية. سيبقى جندياً بسيطاً ينبغي قيادته وإرشاده. وسوف لن يصبح مرجعاً تنظيمياً، ولن يكون له دور في صحافته ودعايته وتحريضه، ولن يستطيع المشاركة في مؤتمره وهكذا دواليك وهلم جرا. تأملوا فقط النشاطات التي يتعهد بها العمال في مثل هذا الطراز من التنظيمات لتروا هذا "الإنقسام الطبقي" داخل المنظمة.
خلاصة الكلام
إن منظمة اليسار الراديكالي اللاعمالي تعيد إنتاج طابعها ونسيجها اللاعمالي بشكل ذاتي ومنظم. فعدم تموضعها في قلب الإحتجاج العمالي وعدم إنضوائها تحت راية تغيير المجتمع على أساس التطلعات والأهداف العمالية، هي الجذور الأصلية لإنفصال العامل عملياً وقطيعتها مع هذه المنظمات. ولكن على الصعيد العملي يتحقق هذا الإنفصال الطبقي ويكتسب ماديته عن طريق آليات محددة يتم من خلالها إختيار العناصر المناسبة للمنظمة والتي تتطابق مع حياة وأسلوب نشاط المنطمة السياسي. وبالنظر الى الخصائص الفكرية، التنظيمية واسلوب العمل لدى منظمات اليسار الراديكالي يمكن أن نرى بوضوح تام كيف أن العامل لايشكل المادة المناسبة لبناء الهيكل التنظيمي لهذه التنظيمات. فالإختبارات الفكرية والعملية التي يجريها التنظيم لإختيار الأفراد المناسبين له، تطرد العامل وتجتذب المثقف بإنتظام تام.
ساتطرق في القسم اللاحق لمسألة الى أيّ حد خرج الحزب الشيوعي الايراني فيه عن مكانته الإجتماعية والإنعتاق من هذه الآليات. وبقدر تعلق الأمر بالحزب الشيوعي الايراني، فإن المادة الأساسية للبحث هي الوجه الإجتماعي لقضية العضوية العمالية. وسأتطرق لهذا الأمر بالتفصيل أكبر. ولكن في نفس الوقت سيستلزم ذلك أيضاً أن نحلل ونراجع الوجه الفردي لقضية العضوية والمعايير الموجودة لكسب الأعضاء من قبل الحزب ونقاط الضعف الموجودة في هذا البعد من القضية. وأخيراً سأشير الى الخطوات اللازم إتخاذها بسرعة من قبل الحزب الشيوعي لتسهيل عضوية العامل وكذلك سأشير الى قرار الإجتماع الدوري الخامس للجنة المركزية المقرّ بهذا الخصوص.
تمت الترجمة من النص الفارسي المنشور في المجلد السابع لأعمال الرفيق منصور حكمت الكاملة.
ترجمة : يوسف محمد