قد يحدث ان ياتي امرء ما بلاغ من احد ما خارج الاطر الاعتيادية ويتغير. في احدى المساءات المنصرمة،  كنت جالساً حتى ساعات متأخرة اطالع كراس اصفر اللون أُرسل لي. اركنته جانباً معتقداً انه بحث احادي الجانب اساسه نظرية المؤامرة. لقد كان عنوان الكراس "العالم مابعد 11 ايلول، صعود وافول الاسلام السياسي". واخيراً جلت ببصري فيه واسرتني الكلمات التالية:

"انا وانت وجميع الملايين التي تناضل من اجل الحرية والمساواة والرفاه وكذلك ضد الامبريالية والحكومة البربرية للاسلام، طبقاً لرؤيتهم، لسنا موجودين في هذا العالم، نحن الذين يُمارس علينا الظلم بوحشية، نُسجَنْ، ونُعدَمْ لسنا موجودين في لوحتهم لهذا العالم".

مَنْ يصدح بهذا؟ الجواب: مثقف ايراني المولد، منصور حكمت. اذ ينتقد، في كراس انيق مترجم من الفارسية للسويدية، مواقف اليسار الغربي الذي يدع نقده اللازم لنزعة امريكا الداعية للهيمنة يحجب، بنفس الدرجة اللازمة، نقد الارهاب الاسلامي والسياسة الاسلامية الرجعية لدول عديدة.

في الحقيقة، ان منظور هذا التحليل الساطع هو ان مصالح الغرب هي التي خلقت، باشكال مختلفة، الاصولية الاسلامية. ان طالبان وبن لادن قد جلبتهم امريكا للميدان للوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي السابق وتنامي شباب التيارات اليسارية في العالم الاسلامي.

في بالي، والتي لم تكن جزيرة ترفيهية قط، لقد قُتِلَ في الستينات عدد لايحصى من البشر بسبب شيوعيتهم. لقد دعمت امريكا هذه المجزرة. إذ راودتها مخاوف تنامي نفوذ الحزب الشيوعي في اندنوسيا. منطقة تعد، على قول نعوم جومسكي، اهم قطعة دومينو خلال الحرب الباردة. لقد اُستُخدِمَتْ الحركات الاسلامية المقاتلة كأداة هذه المجزرة.

يقول منصور حكمت لقد غدا العالم الثالث كتلة مُهَدِدة للنخبة في واشنطن ولندن؛ و كتلة مجهولة يُشفق عليها عموماً في انظار الجماهير التقدمية في العالم الغربي.

لهذا، فان حكمت يكن مشاعر الكره لطالبان وملالي ايران بنفس الدرجة التي يدين فيها الامبريالية الامريكية. ان حلمه هي المجتمعات العلمانية. لقد وصف، وبصورة صائبة، الاديان المسيحية والاسلامية بوصفها "صناعة دين" تمارس سلطة تفوق المافيات والهة الثالوث الصينية.

لقد رحل منصور حكمت في تموز هذا العام اثر اصابته بالسرطان عن عمر يتعدى الخمسين بقليل. ان تحليلاته أخاذة ومؤثرة. ثمة عقدة واحدة فقط الا وهي كونه انسان يعتقد بالشيوعية وشخصية قيادية في الحزب الشيوعي العمالي الايراني.

في انظار الراي العام، تعد كلمة شيوعي في عصرنا هذا مرادفة، عملياً، للفاشية. يُنكَر اليوم ان الشيوعية، وبرغم المجازر التي ارتكبت باسمها، في الحقيقة كانت بلاغ حول العالمية والتنوير و مناهضة لاحكام المجتمعات الدينية.

يتناهى لسمعي صديح هذا الكراس الانيق: ان راديكاليين امثال حكمت، مناضلي النقابات ومنتقدي الاسلام السياسي الرجعي ليس لهم اي وجود في تصور الغرب عن الشرق الاوسط والعالم الثالث. لقد ترعرعنا على ذلك التصور الذي يعبر عن صراعات هذه المنطقة بتعابير قومية ودينية لا بتعابير حرب السلطة والنضال الطبقي. ان النقطة الثالثة الغائبة في الافكار السياسية المعاصرة: ان رجعيين امثال بوش والارهابيين الاسلاميين يتقاتلون فوق رؤوس الجماهير. ان الارهاب والحرب ضد الارهاب يتغذيان من بعض. ان هذا ما تعلمته من جديد تلك الليلة من شيوعي ايراني راحل.